لماذا تعد نصيحة اتبع شغفك نصيحة سيئة؟

اتبع شغفك

تتكرر هذه الجملة كثيرًا على مسامع الطلبة وحديثي التخرج. يستفسر طالب الثانوية عن التخصصات الجامعية، محتارا لكثرة تعددها ومجالاتها فيأتيه الجواب في صورة “اتبع شغفك” لتزداد حيرته حيرة.

ماذا إن كان هذا الطالب لم يكتشف إلى الآن ما هو شغفه وميوله؟ ما هي التجارب والمغامرات التي خاضها هذا الطالب الشاب في الحياة والتي تسنح له أن يعرف شغفه؟ وما يحب وما يكره؟

كال نيوبورت عالم حاسبات ومؤلف شهير في مجال الحياة الدارسية وما بعد التخرج، أحدث كتبه هي

So good they can’t ignore you

يناقش قضية الشغف. ويدّعي بأن نصيحة اتباع الشغف تعد نصيحة سيئة!

يتضمن هذا المقال أهم النقاط التي ذكرها نيوبورت في حديثه، وينتهي بعدد من النقاط المستخلصة والتي قد تفيد طلاب الثانوية والمتخرجين من الثانوية.

بدأ نيوبورت حديثه  99U

بالسؤال التالي

كيف انتهى المطاف مع الناجحين (في المجال الوظيفي) بحب وظائفهم  وأعمالهم؟

ما الذي يميز أولئك الناجحين والمتميزين في مجالاتهم الوظيفية عن غيرهم؟

أهو الشغف الذي وجدوه واتبعوه أم هو عامل آخر؟

ستيف جوبز والشغف

استغرقت إجابة هذا السؤال ما يقارب 4 سنوات من البحث، لخصها نيوبورت في حديثه في ما يقارب العشرين دقيقة. بدأها نيوبرت باقتباس ما قاله ستيف جوبز مؤسسة شركة آبل الشهيرة

في إحدى خطبه الشهيرة والتي ألقاها لجمع حشيد من الطلبة المتخرجين في جامعة ستانفورد عام 2005

حيث قال جوبز فيها:

“يجب أن تجد ما تحب، إن لم تجد ذلك إلى الآن، استمر بالبحث ولا تتوقف”

ألقى جوبز خطبة طويلة تتجاوز العشرين دقيقة

مع ذلك، أكثر ما أثار الرأي العام ومواقع التواصل هي جملته الشهيرة هذه

والتي فسرها الكثير بأنها تعني اتبع شغفك

يعد نيوورت ذلك غير مستغربًا، فالحضارة الأمريكية أصبحت مهووسة بمبدأ الشغف واتباعه وتعتقد أن اتباعك

لشغفك في حياتك الجامعية وما بعدها يضمن لك حياة وظيفية سعيدة ومليئة بالإنجاز

يدعي نيوبورت حسب قانون أسماه باسمه أن

“إخبار شاب في مقتبل العمر أن يتبع شغفه يقلل من احتمالية أن يصبح شغوفا بشيءما لاحقا”

نيوبورت ليس ضد فكرة الشغف. في الحقيقة كل حديثه يدعو لذلك ويؤيد الفكرة

نيوبورت يعارض الطريقة والاستراتيجية المحددة المتبعة لاتباع شغف تم تحديده مسبقا

وذلك لسببين رئيسين:

هما

1- أن نصيحة اتبع شغفك تفترض بأن لديك شغفا في الأصل

وفي الحقيقة لا يوجد دليل على ذلك

أي أنه لا يوجد دليل أن لكل شخص منا شغف واضح وأن كل شخص منا يعرف ذلك جيدا.

ففي إحدى الدراسات التي أجراها نيوبورت، تم سؤال مجموعة كبيرة من الطلبة الذين على وشك التخرج عدة أسئلة في استبيان لغرض تحديد ما إذا كان لديهم شغف واكتشفوه أم لا.

وحسب الدراسة، أقل من 5% من كل الطلبة أقروا بأن لديهم شغف واضح ويسعون له.

لذا لا تستعجل بالنصيحة لطالب في الثانوية بقولك اتبع شغفك

وتذكر أن نسبة قليلة من الناس تعرف شغفها ومتيقنة منه!

2- نصيحة اتبع شغفك تفترض أنك إذا كنت تحب شيئا ما كمهارة أو كهواية فإنه بإمكانك تحويلها

إلى وظيفتك الدائمة وبذلك تكون حققت حياة وظيفية سعيدة

وفي الحقيقة هذه الفكرة تختزل مبدأ الرضاء والاكتفاء الوظيفي

فكم من هاو للتصوير ومن بارع في الخبز اختاروا ما يحبون عمله كمهن ولم ينتهي بهم المطاف ناجحين وبارعين في عملهم

يعود نيوبورت لمثال ستيف جويز

ليستدل به على نقض هذا المبدأ، أي مبدأ اتبع شغفك

فحسب الباحثين في سيرة ستيف جوبز، لم يكن ستيف جوبز -في الفترة ما قبل شركة ابل- يمتلك شغفا او موهبة استثنائية في الاستثمار في مجال التقنية

هو ببساطة استمر في العمل في هذا المجال إلى أن أصبح اسمه عَلمًا شهيرًا في مجال التقنية

ولا أحد مننا يشكك في مدى نجاح جوبز في مجاله

المثابرة وليس الشغف

فالدرس المستخلص هنا

(لا يهم الأمر كيف بدأت، هل بدأت بشغف أو لا. ما يهم هو مدى عملك ومثابرتك بعدما تبدأ)

ولعل الآن يخطر في بالك بعضا من زملائك في المرحلة الجامعية، والذين بدأوا عامهم الدراسي

بكل شغف وحماس لدراسة المجال الذي طالما رغبوا وحلموا بدراسته. ولكن-للأسف- لم يسعفهم ذلك كثيرًا فيما بعد. وربما انتهى العام الدراسي بشكل لم يكن في توقعاتهم.

نحن هنا لا نقلل من أهمية الشغف والحماس لمجال ما. ولكن نركز أن الأهم من ذلك هو ما يتبع ذلك من جهد

ومثابرة عندما يبدأ العمل. وذلك يقودنا للفكرة الثانية في حديث نيوبورت

إن لم يكن الشغف هو الذي يصنع حياة وظيفية مميزة وناجحة، فماذا إذن؟

هذه المرة استعان نيوبورت بالكاتب الشهير بيل مكيبلن كمثال

ميكيبلن من أبرز الكتاب الناجحين في مجال البيئة، برز اسمه وذاع صيته بعد تأليفه لكتاب

The end of nature

والذي حقق صدى واسعا في مجال الكتب المختصة بالبيئة.

تدرج ميكبيلن في البداية في عدة وظائف، وعندما انتشر كتابه وحقق نجاحا كبيرا

بدأ بالتفرغ لعمل ما يحب

وهو الكتابة  وفي المجال الذي يحب: ألا وهو البيئة.

ما سر شغف وحب ميكبلين لعمله ونجاحه فيه؟

الإجابة القصيرة لمن اطلع على حياة هذا الكاتب هي: المهارة. فقد كان ميكبلين ماهرا جدا في الكتابة.

ولكن هل امتلك ميكبلين مهارة الكتابة من قبل؟ هل ولد وهو يحمل هذا الشغف والحب والموهبة في الكتابة؟

في الحقيقة، ميكبلين لم يكن كاتبًا موهوبا أو محترفًا من قبل.

عرض نيوبورت للجمهور إحدى القطع التي كتبها عندما كان في بداياته أيام دارسته الجامعية في هارفرد

وكانت مليئة حسب وصفه بكثير من الأخطاء الكلاسيكية

لكن ميكبلين كان دؤوب في كتابته، مجتهدا في هذا المجال.

وطور من نفسه في هذا المجال. وتدرج في السلم الوظيفي بدءا بمحرر مقالات قصيرة في مجلة ثم محرر لمقالات أطول تختص بعلم البيئة وأخيرا ألف كتاب

The end of nature

والذي كان بمثابة نقطة تحول في حياته، حيث ترك العمل في المجلة وتفرغ للعمل في الكتابة بشكل كلي

وهو المجال الذي يحبه ويمتلك شغفا فيه نماه وطوره من خلال التدرب والممارسة في هذا المجال

إذن الإجابة التفصيلية لكيف نحصل على رضا ونجاح وظيفي إذا ما نظرنا لنجاح ميكبلين كمثال هي:

بناء مهارة خلال عدد من السنين إلى أن تصبح جيدا فيها الكفاية وتستخدم هذا الأمر في صالحك

لتوجه حياتك الوظيفية في المسار الذي تود

لكن، إن فكرنا في الأمر فالشغف هو المحرك الذي قاد هؤلاء الناجحين للتدرب على مهارة ما وإتقانها

ولعلك أيها القارئ تفكر الآن، أن كل ما كتب إلى هنا إلى حد الآن لا يعارض فكرة اتباع الشغف

“فالطبيعي أن يكون لدى الإنسان شغف ولكن عليه أن يتدرب ويطور من نفسه

وهذا الشغف والحب للمجال يعدان دافعان قويان للتدرب والممارسة

صحيح أن ميكبلين -على سبيل المثال- عمل على تطوير مهارته الكتابية لعدة سنوات ولكنه كان شغوفا في الكتابة منذ البداية وهذا الشغف هو الدافع للتدرب.”

هذه إحدى الحجج المعارضة لما يدعيه نيوبورت وهي

أن نصيحة اتباع الشغف تعد نصيحة سيئة

ذكر نيوبورت هذه الحجة في حديثه، وأثبت كذلك عدم صحتها

في الحقيقة، لا توجد أدلة في الدراسات على أن الشغف هو الدافع للتدرب والممارسة في أي مجال!

عالم النفس بينجامين بلوم أعد دراسة ضخمة لمعرفة كيف نمى أصحاب المهارات والمواهب العالية جدا هذه المهارات.

اشتملت دراسته على موهوبين من عدة مجالات. في المجال الأكاديمي والرياضي والموسيقي وغيرها من المجالات

ودرس حياتهم وما قاموا به في محاولة منه للتوصل إلى أسرار الوصول لهذه المرحلة العالية من الموهبة والنجاح في مجالهم.

إحدى أهم نتائج هذه الدراسة كانت:

معظم الذين يمتلكون مواهب استثنائية، لم يكونوا يمتلكوا هذا القدر من الموهبة في بداياتهم ولم يكن لهم شغف في مجالهم في البداية!

النمط الشائع بين هؤلاء الموهوبين كان كالتالي:

تعرّف معظمهم على المجال الذي سيصبحون شغوفين فيه وهم صغار، كأن يلتقوا بمعلم بارع في البيانو

أو أن يقرأوا كتابا يلهمهم وخلاف ذلك

فدفعهم ذلك للخوض في هذا المجال والبدء في تعلم أساسياته

ومن المرجح أن يكون هذا السبب الذي دفعهم للتدرب والممارسة أكثر مقارنة بأقرانهم الذي يكون معلمهم محطما لهم على سبيل المثال.

إذن ليس الشغف بالضرورة هو الدافع الذي يجعلك تبدأ بالتعرف على مجال جديد والبدء في التدرب فيه

غالبا ما يكون من خلال التجارب التي تحظى بها:

معلم رائع التقيت به، كتاب ملهم قرأته، عمل تطوعي قمت به وإلى آخره

تأثير كرة الثلج

الآن وبعد أن تعرفت على مجال ما وبدأت بتعلمه، ستخضع لتأثير يسمى تأثير كرة الثلج

وهذا التأثير هو سبب الاستمرارية في التدريب والممارسة إلى أن تصبح محترفا في مجالك وتنمي شغفك فيه

الأمر بسيط جدا:

عندما تبدأ بالتدريب وترى نفسك تتقدم وتبدأ بتحقيق نجاحات -وإن كانت بسيطة- يرتفع بالتالي مقدار الثقة لديك مما يدفعك بالتالي للمزيد من التدريب والذي بدوره يزيد من ثقتك بنفسك لتتدرب وتحقق نجاحات أكبر وهكذا تجد نفسك متسمرا ومع مرور الوقت وتحب ما تقوم به وتشعر بالشغف.

ملخص أبحاث بلوم

شغف المحترفين والناجحين في مجال عملهم ينمو مع المهارة التي يبنونها. ومقدار الشغف الذي يمتلكه ناجح في مجاله الآن ليس بالضرورة نفس المقدار الذي كان يمتلكه في البداية

الآن نعود للسؤال الذي طرحناه في البداية؟

كيف انتهى المطاف مع الناجحين (في المجال الوظيفي) بحب وظائفهم  وأعمالهم؟

والأجوبة التي تعرفنا عليها إلى الآن

1- لا تتبع شغفك

2- كن جيدًا الكفاية في مجال ما وذلك بكثرة التدريب والممارسة

تدرب ولكن بعمق

الدراسات تشير إلى أنك محتاج للعمل بعمق إذا ما أردت بناء مستقبل نجاح وظيفي

ما هو العمل بعمق؟

التركيز المستمر بدون التأثر بالمشتتات على مهمة معينة محددة ومهمة

ولا طريق غير ذلك! لا يمكن أن تتوقع أن تكون كاتبًا محترفًا مثلًا بينما تشتتك كل 5 ثواني تنبيهات جوالك الموجود بجوارك

كيف تعمل بعمق؟

1– تحديد فترات زمنية

حدد فترة معينة أو مجموعة فترات لتمارس فيها وتتدرب في مجالك

وكذلك الأمر بالنسبة للدراسة والمذاكرة يجب أن تحدد فترة معينة وتجعلها كروتين يومي لك

تدرك أنك خلال هذه الفترة يجب أن تفرغ نفسك تماما للعمل في بناء مستقبلك الوظيفي

2- تدرب على التركيز

أبسط طريقة هي استخدام التطبيقات والمواقع التي تحجب أو تغلق المواقع التي تشتتك لفترة معينة من الزمن وبهذا ستركز أثناء العمل

3- ابدأ بفترات زمنية قصيرة ثم زد المدة مع مرور الوقت

تذكر أنك تبدأ الخوض في مجال جديد بالنسبة لك. فلا ترهق نفسك أكثر مما تستطيع

ابدأ بالعمل لفترة 30 دقيقة مثلا لعشرات متتالية ثم زد الفترة لتصبح 40 دقيقة وهكذا

عودة أخيرة للسؤال:

كيف انتهى المطاف مع الناجحين (في المجال الوظيفي) بحب وظائفهم  وأعمالهم؟

1- لا تتبع شغفك

2- كن جيدًا الكفاية في مجال ما

3- اعمل بعمق

اختتم نيوبورت حديثه قائلا: ” إذا أردت أن تحب عملك، افعل كما فعل ستيف جوبز وليس ما قال”!

كطالب في الثانوية، ماذا أستفيد من هذا المقال؟

1- إن لم تكن تمتلك شغفًا تجاه تخصص أو مجال معين فذلك أمر طبيعي جدًا.

سبب ذلك أنه لم تسنح لك الفرصة للتعرف على جميع المجالات والخوض في عدة تجارب. كيف لك أن تعرف إذا ما كان لديك شغفًا تجاه شيء تجهله؟

ما العمل؟ اقرأ عن جميع التخصصات بلا استثناء من عدة مصادر لتتعرف عليها.

2- ليس بالضرورة أن تمتلك شغفا وحماسا كبيرين في البداية

لا تقلق إن لم تكن تملك كما كبيرا من الحماس تجاه تخصصك. يكفي أن تكون متقبلا لدراسته ومستعدا لتطوير مهاراتك فيما بعد. لماذا؟ لأن

3- المثابرة أهم من الشغف

عملك الدؤوب واجتهادك طوال دراستك يضمنان لك النجاح والتفوق. الشغف قد يكون مهما ولكنه لن يكون أبدا بديلا للعمل الجاد

تذكر:” النجاح 1% موهبة و99% جهد”

في الحقيقة، إن نجاحك بحد ذاته يزيد من ثقتك بنفسك فيدفعك للمزيد من النجاح في مجالك.

“أنت من يكتشف شغفك، لن تستيقظ يوما ما وتجد نفسك -وبشكل سحري- شغوفا بشيء ما”

لقد كانت هذه وجهة نظر أحد معارضي مبدأ “اتبع شغفك”. أخبرنا عن رأيك في التعليقات فيما إذا كنت تتفق مع هذا المبدأ أم لا

4 تعليقات
  1. خالد يقول

    جزاك اللة كل خير ..قدمت لي نصائح مهمة، استفدت منها كثيراً، 

    1. أماني الزهراني يقول

      وإياكم يا رب
      نشكر لكم ردكم

  2. سمية يقول

    مقال نافع جدا ومفيد للجميع
    لك جزيل الشكر

    1. أماني الزهراني يقول

      لا شكر على واجب
      ممتنة لردك

أخبرنا عن رأيك في التعليقات أو اترك رداً

اشترك معنا لتكون أول من يعلم بجديدنا

لا تقلق، لن نرسل لك آي رسائل مزعجة. وجودك معنا يعني اننا سنشاركك بالكثير من الاحداث والمقالات، وستصلك آخر المستجدات.

لاتقلق على بياناتك. لن يتم مشاركتها آي طرف آخر!